هى رحلتى الأولى مع دكتور يوسف عز الدين
عيسى وللأسف ندمت أشد الندم لأنني تأخرت في معرفة هذا العلم والقامة الأدبية ولم أتعرف
إليه إلا منذ فترة قريبة ولم أغترف من ابداعه سوى هذا الكنز الإبداعي المسمى ” الواجهة
” .
للحديث عن واجهة يوسف عز الدين عيسي ربما
يطول بعض الشيئ لكننى سأحاول الإختصار قدر الإمكان وإن كنت أود لو أفردت لمثل هذا العمل
دراسة نقدية ربما يقوم بها من هو خير مني وأعلم بصنعة الأدب .
** البداية
البداية كانت من خلال حديث دار بيني وبين
الأديب والصديق ا- ماجد شيحة , تطرق الحديث إلى بعض الروايات والعوالم الأدبية المميز
وتعجب من أنني لم أقرأ الواجهة حتى الان , شدد على ضرورة اقتناء الرواية لأقرأها فهى
من وجهة نظره درة أدبية فريدة وبالفعل اقتنيت الرواية لتبدأ الرحلة مع واحدة من روائع الأدب
** الرمزية فى واجهة يوسف عز الدين عيسى
.
من المعروف أن الرمزية فى الأدب هى ” التعبير
عن المعاني الكامنه في النفس، والتي لاتستطيع اللغة بصورتها المعتادة الكشف عنها، ولذلك
يعمد الاديب إلى استخدام ايحاء الكلمات وايقاعها وظلالها، ورسم صور ظليلة وتعيبرات
مفاجئة، ليضع القاريء في دائرة الشعور الذي يحب أن يوصله إليه .
الرمز فى الواجهة على الرغم من البساطة
التى تميز بها إلا إنه يتسم بالعمق والغموض , معادلة غاية فى الإتقان تحتاج إلى قلم
قوي عنده من الجرأة من يكفى ليملأ الرواية برموز تحمل مدلولات لا حصر لها , الطعام
والكساء المجاني رمز , الطاحونة والحارس وسوطه رمز , البالوعة وسيارات المواكب رمز
, البرج وما به رمز , الشاعر رمز ,الجانب الخلفي للمدينة وما به حافل بالرموز , الذبابة
وأسباب الموت رمز , ثبات الاجر فى الطاحونة وغلاء الأسعار المتصاعد رمز , كل ما يدور
حول ميم رموز لها مدلولات لغوية وفلسفية تحتاج للحديث عنها فى صفحات مطولة تتناول كل
رمز على حدة .
** الإيقاع السردي فى الرواية
ثلاثة نماذج من نماذج قياس الإيقاع السردى
تم الإعتماد عليها في الرواية ,
1 الإختصار بإختزال أحداث كثيرة فى عدة
سطور , تكرر هذا النموذج فى أكثر من موضع داخل الرواية خاصة فى مشاهد تنفيذ أحكام الإعدام
الجماعية لعدم حاجة النص إلى اعادة وصف الحدث بأكثر من صورة مع كثرة تكراره لإعتماد
الرواية على تكرار الفعل .
2 التباطؤ بالإستغراق فى وصف الخواطر النفسية
للشخصية الرئيسية وتتمثل فى كل اللحظات المؤثرة التي تجبر الكاتب على ضرورة عرض الصورة
باكثر من زاوية حتى يتاح للقارئ رصد الصورة بشكل عام خارجياً وداخلياً وهذا النموذج
اعتمد عليه الكاتب فى أكثر من موضع منها مشاهد البداية ومن ثم باقى المشاهد والاحدايث
التي تعرض خواطره التي تؤرقه .
3 المشهد وذلك بتعادل الزمانين داخل النص
و زمن الحكاية وزمن السرد وبراعة يوسف عز الدين هى ما مكنته من معادلة الزمانين خاصة
لضرورة تعارض زمن الزمانين فى الرواية فالتراتيبية المفترضة في زمن الحكاية تتعارض
مع تجاوز زمن السرد لتلك التراتيبية من حيث استباق الرؤية بحتمية اعدام كل اهل المدينة
ورحلة البحث الملزمة لميم داخل سياق النص .
** فلسفة الرواية والأسئلة المحرمة .
يتشدق البعض ببراعتهم في دمج الفلسفة بالأدب
أو براعتهم فى استخدام الأدب لطرح المشكلات الفلسفية التي يرغبون في طرحها ولكن ربما
لا يحسن العمل على تلك النقاط سوى عدد بسيط من بينهم هذا العبقري صاحب القلم الفريد
.
لماذا خلقنا ؟
هل هناك حياة بعد الإعدام ؟
هل وجد البشر فى المدينة للعذاب فقط ؟
لماذا يعدم الأبرياء ؟
عشرات الاسئلة التى تطرح مفاهيم فلسفية
وأسئلة وجودية عميقة أفنى البعض حياتهم فى البحث عن اجابتها .
هل نعتمد على ميم فى البحث عن الحقيقة
وحده أم أن ميم ما هو إلا رمز لبني البشر جميعهم ؟
من أكون هل أكون واحد من هؤلاء العالقين
بالجانب الخلفي من المدينة أم إننى ميم بشخصه وعلى ما عليه من واجب مقدس مادمت فى هذه
المدينة وهذا العالم ؟
أسئلة لا حصر لها طرحتها على عقلي تلك
الصفحات لذا أعدها واحدة من عشرات الروايات التي لن أوفيها حقها مهما تحدثت عنها.
***** روح تبحث عن الحقيقة
من العدم أوجده الكاتب، لا يعلم من أين
جاء ولا يعلم أين هو، يجهل ما كان وما سيكون لكنه يعلم بأنه تم احضاره لهدف وغاية كبرى،
هكذا هو ميم نون بطل رواية الواجهة وهكذا هم المصطفين الأخيار من أبناء أدم.
مدينة مجهولة ومهمة معقدة وروح قلقة تواقة
للمعرفة، ثائرة لا يؤرقها إلا بضع تساؤلات تدور حول ماهية الأشياء، تساؤلات من المفترض
أن يأتى هو بإجابة عليها حتى يتم رحلته ويحقق الغرض من وجوده داخل المدينة.
طعام وكساء ومأوى مجاني لمدة عام، يذهب
كل هذا فى لمح البصر عقابا لجريمة لم يقترفها.
الصدام الأول جاء مع حقيقة الموت، الموت
جراء التفوه بالحقائق، وتساؤل يطرح نفسه هل تم تنفيذ حكم الإعدام فى تلك الفتاة التى
استضاف اخوها ميم على العشاء لأنها نطقت بأول حروف صنعت مطرقة لتكسر بها جليد الوعي
لدى ميم لمعرفة الحقيقة؟
******طاحونة تدور وسوط يلهب ظهر أشرف
من بالمدينة
حارس الطاحونة وسوطه الذى لا يرحم وحجر
الطاحونة الذى علقت به الدنيا وما فيها حتى لا يدور بسهولة ويسر، دماء تسيل ودموع تذرف
وقوة تخور مقابل عشرون قرشا لا تكفي ثمن ربع رغيف جاف، شظف العيش مقدر على كل راغب
فى المال الحلال، الشرف بوابة تقف حاجز بين شبع البطن والراحة بعد السقوط فى بئر الخطيئة
وبين ان يبقى الواحد منا معلق فى حجر الطاحونة يدور ثم يدور ثد يدور ليلهب الحارس ظهره
بالسوط فيما يضحك الجميع من حولك وربما تربح أخرون من ألمك ودمك الذى ينزف.
هكذا هو الرزق المقدر لك فلا تسأل مالك
المدينة زيادته طالما كان مقدر لك لكن لك مطلق الحرية فى الحصول على المال من الجهة
الخلفية للمدينة لتتساوى مع باقي أفراد القطيع.
هكذا هم أمثال ميم مشتتين خائري القوة،
أرواحهم تنشد الخلاص لتحقق قدرها وأثقال الدنيا معلقة فى رقابهم تعوقهم وتحاول القضاء
عليهم.
******* الجانب الخلفي للمدينة
في المدينة الطاهرة تعاقب من أجل كلمة
قد لا تلقي لها بال، تصفع وتهان وينتقص من قدرك، تلقى بزنزانة حقيرة تشاركك فيها كل
الهوام والأفاعي لأنك حاولت كسر القاعدة والنظام العام المقدس في المدينة، ليس لك أى
حق هنا سوى الطاعة والدوران فى الطاحونة طوال الوقت أما هناك، على الجانب الأخر من
المدينة فالأمر مختلف تمامًا، ستصفع وتهان إن لم تكن داعر فاسق ماجن، الجميع ينزع عنه
رداء القداسة فى الجانب الخلفي للمدينة فهل تتحمل أنت يا ميم تلك القذارة؟
في هذا الجانب لا وجود للقديسين ولا الأطهار،
ها هنا يشيدون التماثيل للقتلة واللصوص كما صنعوا تمثال للشاعر على الجانب الأخر، الجميع
هنا يفعل ما يريد حسب ما يريد مادام فى الجانب الخلفي الملعون أما هناك فى الواجهة
فجميع من بالمدينة بررة اطهار ينافسون الملائكة فى الطهارة والنقاء!!
لكل مدينة جانب خلفي تكتنفه الظلمة وتلوثه
القذارة كما لكل روح وجه أخر لا يظهر إلا إذا تأكد بأنه قد وصل إلى الجانب الخلفي للمدينة.
****** القلق وقلة الراحة فى الزواج
لم يقصد الكاتب هنا الثورة على مفهوم الزواج
بشكل عام وانما ثورته كانت على الزواج الأعمى، القائم على الرغبة الجنسية فقط، الزواج
التقليدي، زواج الصالونات، مجرد فتاة تبتسم لك وأنت جاهل لا تعرف بأن هذا فخ قد نصب
لك، تسعى خلف شهوة أو رفيقة تؤنس وحدتك ” تلبس” فى زوجة تتركك ملقى فى الشارع بعدما
يأتى إشعار بتنفيذ حكم الإعدام فيك والأدهى من ذلك أن تقيم هى حفل فى نفس اليوم!!
أى زواج هذا وأى اقتران، اللافتة خادعة
والتحذير كان واضح لكن الجهل والقدر اجتمعوا عليه ليظل معلق فى الطاحونة يدور ثم يدور
ثم يدور والسوط يلهب ظهره. لن أقع فى هذا الفخ ولو قطعت رقبتي…
***** الموت حزناً وحقيقة الباحث عن الحقيقة
الجميع ينشد معرفة الحقيقة لكن أحد منهم
لا يمد يداً لمساعدة الباحث عن الحقيقة، قليل من سيمد يد العون لكن الغالبية العظمى
لن تقدم على شيء سوى التهليل والتصفيق فقط، لن يخالف أحد منهم القانون مادام الواحد
منهم على هذا الجانب.
كل شىء صعب والجنون اصاب المدينة، كل ما
فيها يحترق حتى الحقيقة التى ربما يجدها ميم داخل صفحات الكتب احترق بعضها والبعض الأخر
فى انتظار الحرق.
الفقد لعنة مقدرة على كل شريف ذو نفس طاهرة
والحزن سمته الظاهر طوال الوقت، يحزن لموت فتاة،. يتألم من أجل طفلة، يبكي من أجل شاعر،
يحزن من أجل ولده ويموت حزناً لفراق ابنته وخيبة ظنه بعد فشله فى ايجاد الحقيقة التى
من أجلها أتى.
لا تنتهى الحكاية بموت ميم، تدور العجلة
وكما جاء ميم من العدم يأتى صاحب المدينة بباحث عن الحقيقة فى ذات اللحظة، دائرة لن
تتوقف لعل سكان المدينة يصلوا اليها ذات يوم.
****** مالك المدينة والحقيقة
مالك المدينة لم يره أحد لكن الجميع يعلم
بأنه هو من صنعهم وهو أيضاً من قدر عليهم الإعدام، صنع لهم مدينة طاهرة لم يرتكب فيها
اثم وصنع لهم جانب خلفي وترك للجميع حرية اختيار الحياة هنا أو هناك حسب ما يرى كل
واحد منهم.
مالك المدينة موجود لكن لم يره أحد، بعضهم
على علاقة وثيقة به لكن حسب درجة لكل واحد منهم ليس بإمكانه أن يتخطاها، مالك المدينة
هو من جاء بميم وأمره بالبحث عن الحقيقة، حقيقة وجود ميم، المدينة، حتمية تنفيذ حكم
الإعدام، حقيقة الوجود وحقيقة وجود مالك المدينة.
العلم وحده هو الطريق للوصول إلى الحقيقة
لكن هل بإمكان ميم ومن بعده تحمل ثقل ذراع الطاحونة والصبر على الجوع والوحدة والألم
ليصلوا الى الحقيقة التى من أجلها أوجدهم مالك المدينة؟
** كلمة موجزة فى النهاية
أطلت الحديث ربما بعض الشيء لكن اجمالاً
وباختصار شديد هذا العمل واحد من الاعمال العظيمة التى ستبقى عالقة بذهني لوقت طويل
, ربما أراها تعادل فى براعتها الساعة الخامسة والعشرون لفرجيل جورجيو قسطنطين , لغة
الرواية غاية فى الروعة , شخوص الرواية أبدع الكاتب في تجسيدهم حتى أنني تفاعلت مع
كل منهم حسب ما كان يفعله داخل الرواية , ربما سمعت أصوات البعض وأحسست بدموع أخرين
ودرت معهم أينما راحوا لكن تبقى الرحلة الاعظم مع ميم نون الذى تفاعلت معه بكل ذرات
كيانى .
رحمة الله على الراحل يوسف عز الدين عيسى
الذى خلف لنا تلك الدرة البديعة التى تصفحتها لأستمتع واتعلم ولأتعرف على رائد من رواد
الأدب صاحب مدرسة أدبية لابد لى من التعرف عليها أكثر فى القريب العاجل.
سأكتفى بما كتبت وربما حاولت كتابة مراجعة
أخرى بعد قراءة جديدة لهذا العمل العبقري الذى يستحق الوقوف معه طويلاً.
#مسافر_فى_دنيا_الأدب

ممتاز فعلاً
ردحذفتسلم يارب
حذفسأقرأها
ردحذفرواية تستحق بالفعل يادكتور
حذف