السبت، 27 يونيو 2020

مراجعة رواية فساد الأمكنة

فساد الأمكنة
على صخور الدرهيب رحلة الأمل والألم , منه كانت البداية وعلى صخوره أتت النهاية .
بعد مطالعة رواية فساد الأمكنة لصبري موسى أدركت بأن من السهل جداً كتابة " رواية " لتُقرأ أما أن تكتب رواية لتبقى وتُخلد , رواية حية تتحول بها الجمادات والأماكن إلى أبطال تشارك الأشخاص فى سرد الأحداث وتجسيد المعاناة , الألم , الأمل , الإنكسار , العاطفة , النشوة , المأساة .
وكأنما أراد الكاتب أن يجعل الأماكن تحكى مأساة نيكولا, فعلى صخور الدرهيب يصلب نيكولا نفسه ليُكفر عن أخطاء لم يقترفها بينما الأثم الحقيقى لا يشغل باله بما فعل , هكذا هى الحياة .
الأمكنة ليست فاسدة بالطبيعة وإنما يفسدها ويدنسها البشر , نيكولا أتى إلى الدريهيب ينشد حلم ليقيم مدينته فى تلك البقعة المباركة فى نفسه ولكن يأبى بنو البشر إلا أن يلوثوها بخطاياهم وأوزارهم .
إن ما حدث فى الدرهيب لهو إغتيال لفطرة الإنسان قبل إغتيال فطرة المكان وفض بكارته فالجزاء من جنس العمل يانيكولا , فلسفة الإغتصاب تسرى على البشر كما سرت على الأمكنة , أتيت ياصديقى لتغتال براءة الدرهيب وفى صدرك قلب طفل فرح فإغتال الملك براءة طفلتك قبل أن يغتال الحلم والامل فى صدرك لتتحطم مدينتك على يديك كما تعتقد أنت , والحق أنك لا وزر عليك فيما فعلت .
الحق إننى رأيت الحياة كاملة فى صفحات الرواية , مشاهد عديدة توقفت معها ورحت أتفكر فيها وفى مقاصدها منها على سبيل المثال صلب نيكولا لنفسه على الصخور فى حالة اشبه بصلب المسيح ليتخلص من أوزار لم يرتكبها , مضاجعة عبدربه كريشاب لعروس البحر الميته فى حضرة الملك وحاشيته " من أبرع المشاهد " وكأنما أراد صبري موسى أن يخبرنا بأن البسطاء لابد لهم من مضاجعة الموت لينعم السادة ويستمتعوا بعذابهم وبألمهم الذى غالباً ما ينتهى بالجنون حقيقة من أكثر المشاهد التى توقفت معها , سرقة إيسا لقرص الذهب ثم مشهد موته فى البئر هو ومن معه وحزن نيكولا عليه , مشهد مضاجعة الملك لإليا وفض بكارتها والنيل من براءة تلك الفتاة الصغيرة ومقارنته بمضاجعة نيكولا للجبل وفض بكارته على يديه بمعاول عماله ومتفجراته , أيضاً مشهد النهاية المأساوي لا أنكر بأننى توقعت حالة نيكولا وكأنما قد عزم أمره على أن يصبح كالجد الأكبر كوكا لوانكا.
العاطفة فى الرواية ربما تكون متداخلة " وهى مقصودة هنا " فصداقة تتحول إلى زواج , و صداقة تتحول إلى تعاملات ومصالح , وصداقة تتحول إلى عاطفة بنوة تشوبها شائبة " حب مثلى " ربما أراد أن يذكرها صبري موسى على إستحياء فمر بها مرور الكرام لطبيعة المكان وطيبعة سكانه , وبنوة تتحول إلى صداقة تشوبها شهوة أيضاً مر بها الكاتب ببراعة وكأنما أراد بهذا الأسلوب أن ينكر وقوع نيكولا فى هذا الإثم أو ذاك وأن تلك المشاعر لاتعدو كونها حديث نفس أو رغبات طافت بعقله لبعض الوقت فخيل إليه أنها حقيقة وأنها أوزار لابد له من أن يتطهر منها على صخور الدرهيب .
لغة الرواية ساحرة وكأنما هى أبيات شعرية نظمها الكاتب لتكتمل المتعة , الرحلة فى هذا المكان ووصف ما به أحسست معها كأنما أحلق فى تلك البقعة لأشاهدها وأراها رأى العين .
فساد الأمكنة ربما كانت تجسيد للصراع ما بين البشر بعضهم البعض , ربما كانت لتجسيد الصراع ما بين الطبيعة بما تحويه من خير وبراءة ومابين الحضارة وما تحمله من " خير أو شر" على حسب ما فى أنفس ساكنيها أو زائريها .
أعلم أن كلماتى لن تعبر عما أود ذكره حول تلك الرواية وعنها ولكن ما ذكرته مجرد وصف لحالة مع عمل أدبى , إنتهيت من قراءة الرواية ولكنها ستبقى عالقة فى ذاكرتى لفترة طويلة دون الحاجة لمطالعتها من جديد إلا إذا كان لغرض الإستمتاع بهذا الإبداع وتلك الرحلة الرائعة فى الصحراء برفقة نيكولا إلى الدرهيب وماحوله من أمكنة .

الخميس، 25 يونيو 2020

جزء من رواية لذة الانتقام

كإحدى الحور راحت ترفل فى ثوبها الزهري تخشى أن ترقبها أعين الوشاة والمتلصصين ,برشاقة راحت تصعد درجات السلم  بينما تتلصص عينيها  على تلك الأبواب المغلقة , كاد أن يغشى عليها  إثر سماعها صوت ارتطام أحد صناديق القمامة الموضوعة أمام إحدى الشقق السكنية بعدما ظفرت القطط  بوجبتها التى كانت تبحث عنها داخل  الأكياس المغلقة بعناية.
تسارعت دقات قلبها معلنة حالة إستنفار قصوى ما إن وصلت إلى غايتها ، هاهى تقف أمام أحد الأبواب المغلقة مترددة أتطرق الباب أم تنسحب عائدة من حيث أتت ؟؟ 
استجمعت قواها متخلية عن بقايا خجل قد زين وجنتيها بحمرة لاداعي لها  , طرقات تنم عن قلق واضح على إثرها فتح الباب. 
شاب على مشارف العقد الثالث من عمره ,طغى الشوق على قسماته فاستقبلها شاهراً ذراعاه، دلفت إلى الداخل خشية أن يخرج أحد من خلف تلك الأبواب الموصدة فأغلق الباب على الفور،  ارتمت فى أحضانه غير عابئة بذاك الجوانتى الطبى الذى غلف يديه!!!! 
 تلاحمت أجسادهما بعدما تلاقت شفاههم , أتته ظمأى فراح يسقيها من رضابه كى ترتوى,  اسكرتها القبلات بينما تركت العنان ليديه يصولان ويجولان حيثما أراد، لم تدرى كم مر من الوقت ,أتكون قد إرتمت بين يديه  لدقائق قضتها فى عناق طالما اشتهته أم استمر الأمر لساعات ؟ 
إصطحبها إلى " الصالون " لتجلس إلى جواره على إحدى قطع الأثاث التى احتلت مكاناً مميزاً, نظرت إلى عينيه بينما أراحت يديها بين كفيه، إنها المرة الأولى التى تلاحظ الجوانتى الطبى الذى يرتديه. 
     - ما هذا الذى ترتديه ؟
استشعرت الجوانتى ما أن تعرفت على ملمسه الجلدى المميز يلامس كفيها . 
       - أنت ِتعلمين بأن بشرتى حساسة للأتربة وكنت على وشك تنظيف الشقة حتى تكون فى أبهى صورة لتليق بإستقبال أميرتى الصغيرة إلا أنك فاجئتنى وحضرت ِ قبل الموعد . 
إرتسمت على شفتيها ابتسامة كبيرة بينما رفعت إحدى يديه لتقبل باطنها فى دلال زائد ثم أردفت قائلة  . 
        - مادامت تلك الشقة هى عش الزوجية ومادمت أنا الأميرة فليس من حقك القيام بواجباتى أيها الأمير , والأن انزع هذا الجوانتى عن يديك لأنك تشعرنى بأننى أجلس مابين يدي طبيب . 
حاولت نزع الجوانتى حينما أطلق ضحكته المميزة التى اعتادت  سماعها كلما بدأ المزاح معها . 
          - إذن فليكن  ولن أنزع هذا الجوانتى طوال الوقت لأننى بالفعل سأقوم بدور الطبيب مادمت ِ تخشين الجلوس معهم . 
تلاحم الجسدين مرة أخرى فى عناق بينما تلاقت شفاههما فى عنف وشغف زائد , أفلتت من بين يديه حينما شعرت بأنها قد إرتوت وشربت من كأسه حتى الثمالة , طلبت منه أن يدلها على إحدى الغرف لتبدل ملابسها التى  ترتديها بملابس أخرى قد  أحضرتها . إصطحبها إلى إحدى الغرف لكنها  لم تسمح له بالدخول بالرغم من محاولاته , أغلقت الباب خلفها بينما توجه من فوره إلى المطبخ للإنتهاء مما كان قد بدأه قبل وصولها. 
غاب لدقائق ثم عاد إلى الصالون مصطحباً سكينا ً وعدة أطباق حوت من شتى أصناف الفاكهة والحلوى مالذ وطاب , أحضر عدد من الأوراق وقلما ً ثم وضعهم بجوار أطباق الفاكهة على طاولة صغيرة احتلت وسط الصالون . 
إشتم عبيرها ما إن فتحت باب الغرفة التى كانت بها ليستقبلها بصافرة دلت على إعجابه الشديد بهيئتها تلك  فقد كانت بالفعل غاية فى الجمال , كانت ترتدى روب شفاف أسود اللون يظهر من جسدها أكثر مما يستر  ينم عن ذوق راقى , أسدلت شعرها الكستنائى على كتفيها بينما راحت تداعب إحدى خصلاته فى دلال واضح . 
إنقض عليها كما تنقض الأسود على فرائسها لتزداد تمنعًا ودلال , حملها بين يديه ثم اجلسها إلى جواره بالقرب من الطاولة وسط الصالون , عقد يديه على صدره فشعرت بأنه يرغب فى الحديث قبل أن يشرع فى عمل أى شىء !! 
        -من الأن ومنذ تلك اللحظة سنكون سويا ً حتى النهاية , أنت تعلمين ما أمر به من أحداث ولكن بالرغم من كل شىء وحتى تشعرى بالأمان معى فستقومين بتوقيع تلك الأوراق كما سأقوم بتوقيعها أيضا ً . 
حاولت أن تتحدث إلا أنه لم يمهلها فوضع سبابته على شفتيها ليمنعها من إبداء أى إعتراض ثم أردف قائلا ً . 
      - ستكونين زوجتى أمام الله وسأكون زوجك وسأتنازل لكِ عن نصف ممتلكاتى فى حال موتى حتى يكون ضمانا ً لك مما قد يحدث !! 
قبضت على يديه وتزينت عيناها بالدموع ليتضح على قسمات وجهها التأثر الشديد من صدق نواياه ومشاعر الحب الجياش الذى إحتواها به . 
      - أنا لا أريد أى شىء سوى أن ابقى إلى جوارك فقط . 
      - وأنا لن أتخلى عنك، تلك هى رغبتى فلا ترفضيها. 
إحتضنته وألقت برأسها على كتفه بينما طوقها بذراعيه . 
قام بتوقيع عقد زواج من نسختين كما قامت هى الأخرى بالتوقيع غير أنها حاولت أن ترفض التوقيع على الوصية التى أحضرها برفقته غير أنه ألح عليها بصورة شديدة فوافقت على مضض , أعطاها الأوراق لتحتفظ بها لكى يطمئن قلبها لما هى مقدمة عليه . 
حمل الأطباق والسكين ثم توجه إلى غرفة النوم حينما كانت تضع الأوراق بحقيبتها , عاد ليحملها بين ذراعيه فتعلقت برقبته إلى أن وصل إلى الغرفة المنشودة , أجلسها على طرف السرير ثم جلس إلى جوارها وراح يطعمها بيديه وتطعمه بيديها , تناست كل ما كان يقلقها ليحتضنها من جديد , شعرت بنشوة عارمة تجتاحها، حاولت قدر المستطاع أن تستعد من داخلها للقاء المرتقب , القت بجسدها للخلف ليستقر جسدها على السرير إنتظاراً لفارسها المقدام , أمال جزعه تجاهها فتعلقت به عيناها لكن يده التى كانت تحمل السكين لم تمهلها لتطلق صرخة واحدة !!!!!
#لذة_الانتقام
#عندما_يصبح_للانتقام_لذة
#مسافر_فى_دنيا_الأدب
#أبوماتيرا

الاثنين، 22 يونيو 2020

مراجعة رواية الجريمة والعقاب

دوستويفسكي

الجريمة والعقاب ورحلة إلى عالم  دوستويفسكي الفريد .

من قال بأن الأديب الحق دائم الألم لم يكن   يقصد بتلك الكلمة سوى الأباء الكبار من رواد الأدب أمثال هذا النبيل العظيم فيودور ميخايلوفيتش دوستويفسكي .

تلك هى رحلتى الثانية التى أشد الرحال فيهاإلى عوالم  دوستويفسكي  بعد رحلتى مع الفقراء التى وللحق كانت من أروع الرحلات الأدبية التى فزت بها , تعودت أن أمنح نفسى بعض الوقت قبل أن أطرق أبواب تلك الروائع فالرحلة إلى تلك العوالم لابد لها من استعداد وطقوس لكى يتاح لمن هم مثلى الوقوف  فى حضرة تلك  الأقلام وهؤلاء المبدعين بحق . 

ربما أكون مخطئ حينما أنفى أن تصنف تلك  الملحمة أو توصف بأنها " بوليسية " , الجريمة والعقاب واحدة من أروع الملاحم الإجتماعية  " النفسية " التى  قد تصادف القارئ . 

القضية ليست جريمة راسكولنيكوف التى ارتكبها فى حق تلك المرابية العجوز واختها , إنها ليست حكاية مطاردة يقوم بها قاضى التحقيق أو غيره من رجال الشرطة للإيقاع بمجرم قتل امرأتين وسرق بعض روبلات وبضع أغراض تافهة ليست لها أى قيمة  , إن القضية قضية الصراع الداخلى  الذى بدأ منذ أن ترك راسكولنيكوف دراسته وأدمن على التفكير فى تلك القضايا والمسائل التى باتت تشغل باله وتؤرقه طوال الوقت , لقد ادمن التفكير لما يزيد عن ستة أشهر ما كان يشغله طعام أو شراب أو ثياب , كان فقط يأكل حينما يٌعطى بضع ملاعق من حساء أو شاى أو كسرات خبز , ثبابه الرثة وحذاءه البالى  وقبعته التى كثيرا ما حدث نفسه على أنها كارثة  ترافقه , شاب مثقف جمع بين المتناقضات  , برع  دوستيوفيسكى فى رسم شخصيته فهو شاب دائم  الشك والحذر، عنده من الكبرياء والإعتزاز بالنفس ما ليس لغيره أعصابه ثائرة ربما لقضاء معظم الوقت فى  تلك الغرفة الحقيرة ربما لم يكن مؤمن بالقدر الكافى لكنه عطوف رومانسي يمنح لمن لا يعرفه كل ما معه حتى وإن كان أخر ما فى جيبه من مال ويقف لمعاونة من لا يأبه لهم أحد . 

إن المسألة والقضية والفكرة التى  حوتها صفحات الجريمة والعقاب تدور حول الصراع النفسي لشخص له بعض أراء ربما يراها الأخرين غير مقبولة كما تدور حول الصراع ما بين القانون والاخلاق من حيث المفهوم والتطبيق . 

أى عقوبة تقع على نفس لشخص هى أشد من حمل صليب "جريمته " وتحمل الألم فى سبيل الخلاص , ربما كان راسكولنيكوف يرى أنه نابليون جديد فى ظروف مختلفة وربما عد نفسه واحد من هؤلاء المختارين لكنه فى النهاية تحمل عقاب جريمته واعترف بها جملة وتفصيلاً على الرغم من انه طوال الوقت كان بإمكانه الفرار والهرب لكن " أصحاب القضايا لا يفرون " . 

لا أريد للحديث أن يطول عن الجريمة والعقاب لأن أمثال تلك الروائع ما سيقال فى حقها لهو أقل من القليل ويكفينى الإشارة فقط إلى عدة أشياء صحبتنى طوال رحلتى مع العم فيودور . 

براعة وروعة دوستيوفيسكى فى خوض غمار النفس البشرية وتجسيد كل ما له علاقة بها من خواطر وأفكار وردود أفعال وصراعات لا لشخص واحد وإنما لعدة أشخاص وربما لمجتمع كامل . 

تلك الحبكة البسيطة والتى من الممكن لأى شخص التكهن بها لكن وعلى الرغم من هذا فإن القارئ لن يفلت من هذا العالم حتى بعدما تنتهى صفحات الرواية . 

مسألة الأسماء التى تٌعد واحدة من عجائب هذا الرجل فمن لا يعرفه حق المعرفة ربما تشتت لتعدد أسماء الشخص الواحد حسب ما تقتضيه الحاجة فدوستيوفيسكى  دائما ما يطلق الإسم على الشخصية إضافة إلى لقب أو لقبين أخرين واحد للتدليل وأخر للإهانة وربما كان هناك لقب للصفة الرسمية وأخر لغرض أخر لذا قد يظنهم القارئ عدة أشخاص لكنهم فى الأصل شخص واحد فقط . 

على الرغم من أن المسالة تدور حول جريمة قتل إلا أننى وطوال تلك المدة لم أشفق على راسكولينكوف ولم أكرهه لقد استطاع دوستيوفيسكى أن يوقفنى موقف المشاهد لا الحكم لأتابع ما سيحدث وما سينتهى إليه هذا الصراع الداخلى وتلك الأحداث والظروف  المحيطة بالبطل . 

كثرة الشخصيات وتداخل طبقات المجتمع الروسى والربط بين المدينة والقرية أو الريف وربما الصراع بين الأجيال التى أوجد من أجلها عدد لا بأس به من الشخصيات المختلفة والتى يعبر كل منهم عن طبقة  وثقافة من طبقات  المجتمع البطرسبورجي والروسى بشكل عام . 

طرح  عدد من القضاي الإجتماعية والفلسفية بصورة بديعة تثير التساؤلات وتطرق العقول رغبة فى الحصول على اجابات وحلول لها كمفهوم الحب والجمال والإحسان والعاطفة والجريمة ومفهوم العقاب إضافة إلى تصوير ذالك الصراع أروع تصوير . 

سأكتفى بهذا القدر من الحديث عن تلك االملحمة الأدبية وربما أقف معها فى القريب العاجل مرة أخرى قبل أن أطرق باب العم فيودور لألج إلى عالمه فى رحلة أدبية جديدة . 

#مسافر_فى_دنيا_الأدب




رواية الواجهة ورحلة إلى عالم الإبداع المطلق

هى رحلتى الأولى مع دكتور يوسف عز الدين عيسى وللأسف ندمت أشد الندم لأنني تأخرت في معرفة هذا العلم والقامة الأدبية ولم أتعرف إليه إلا منذ فترة قريبة ولم أغترف من ابداعه سوى هذا الكنز الإبداعي المسمى ” الواجهة ” .

للحديث عن واجهة يوسف عز الدين عيسي ربما يطول بعض الشيئ لكننى سأحاول الإختصار قدر الإمكان وإن كنت أود لو أفردت لمثل هذا العمل دراسة نقدية ربما يقوم بها من هو خير مني وأعلم بصنعة الأدب .

 

** البداية

البداية كانت من خلال حديث دار بيني وبين الأديب والصديق ا- ماجد شيحة , تطرق الحديث إلى بعض الروايات والعوالم الأدبية المميز وتعجب من أنني لم أقرأ الواجهة حتى الان , شدد على ضرورة اقتناء الرواية لأقرأها فهى من وجهة نظره درة أدبية فريدة وبالفعل اقتنيت الرواية لتبدأ الرحلة مع واحدة من روائع الأدب 

 

** الرمزية فى واجهة يوسف عز الدين عيسى .

من المعروف أن الرمزية فى الأدب هى ” التعبير عن المعاني الكامنه في النفس، والتي لاتستطيع اللغة بصورتها المعتادة الكشف عنها، ولذلك يعمد الاديب إلى استخدام ايحاء الكلمات وايقاعها وظلالها، ورسم صور ظليلة وتعيبرات مفاجئة، ليضع القاري‌ء في دائرة الشعور الذي يحب أن يوصله إليه .

الرمز فى الواجهة على الرغم من البساطة التى تميز بها إلا إنه يتسم بالعمق والغموض , معادلة غاية فى الإتقان تحتاج إلى قلم قوي عنده من الجرأة من يكفى ليملأ الرواية برموز تحمل مدلولات لا حصر لها , الطعام والكساء المجاني رمز , الطاحونة والحارس وسوطه رمز , البالوعة وسيارات المواكب رمز , البرج وما به رمز , الشاعر رمز ,الجانب الخلفي للمدينة وما به حافل بالرموز , الذبابة وأسباب الموت رمز , ثبات الاجر فى الطاحونة وغلاء الأسعار المتصاعد رمز , كل ما يدور حول ميم رموز لها مدلولات لغوية وفلسفية تحتاج للحديث عنها فى صفحات مطولة تتناول كل رمز على حدة .

 

** الإيقاع السردي فى الرواية

ثلاثة نماذج من نماذج قياس الإيقاع السردى تم الإعتماد عليها في الرواية ,

1 الإختصار بإختزال أحداث كثيرة فى عدة سطور , تكرر هذا النموذج فى أكثر من موضع داخل الرواية خاصة فى مشاهد تنفيذ أحكام الإعدام الجماعية لعدم حاجة النص إلى اعادة وصف الحدث بأكثر من صورة مع كثرة تكراره لإعتماد الرواية على تكرار الفعل .

2 التباطؤ بالإستغراق فى وصف الخواطر النفسية للشخصية الرئيسية وتتمثل فى كل اللحظات المؤثرة التي تجبر الكاتب على ضرورة عرض الصورة باكثر من زاوية حتى يتاح للقارئ رصد الصورة بشكل عام خارجياً وداخلياً وهذا النموذج اعتمد عليه الكاتب فى أكثر من موضع منها مشاهد البداية ومن ثم باقى المشاهد والاحدايث التي تعرض خواطره التي تؤرقه .

3 المشهد وذلك بتعادل الزمانين داخل النص و زمن الحكاية وزمن السرد وبراعة يوسف عز الدين هى ما مكنته من معادلة الزمانين خاصة لضرورة تعارض زمن الزمانين فى الرواية فالتراتيبية المفترضة في زمن الحكاية تتعارض مع تجاوز زمن السرد لتلك التراتيبية من حيث استباق الرؤية بحتمية اعدام كل اهل المدينة ورحلة البحث الملزمة لميم داخل سياق النص .

 

** فلسفة الرواية والأسئلة المحرمة .

يتشدق البعض ببراعتهم في دمج الفلسفة بالأدب أو براعتهم فى استخدام الأدب لطرح المشكلات الفلسفية التي يرغبون في طرحها ولكن ربما لا يحسن العمل على تلك النقاط سوى عدد بسيط من بينهم هذا العبقري صاحب القلم الفريد .

لماذا خلقنا ؟

هل هناك حياة بعد الإعدام ؟

هل وجد البشر فى المدينة للعذاب فقط ؟

لماذا يعدم الأبرياء ؟

عشرات الاسئلة التى تطرح مفاهيم فلسفية وأسئلة وجودية عميقة أفنى البعض حياتهم فى البحث عن اجابتها .

هل نعتمد على ميم فى البحث عن الحقيقة وحده أم أن ميم ما هو إلا رمز لبني البشر جميعهم ؟

من أكون هل أكون واحد من هؤلاء العالقين بالجانب الخلفي من المدينة أم إننى ميم بشخصه وعلى ما عليه من واجب مقدس مادمت فى هذه المدينة وهذا العالم ؟

أسئلة لا حصر لها طرحتها على عقلي تلك الصفحات لذا أعدها واحدة من عشرات الروايات التي لن أوفيها حقها مهما تحدثت عنها.

***** روح تبحث عن الحقيقة

من العدم أوجده الكاتب، لا يعلم من أين جاء ولا يعلم أين هو، يجهل ما كان وما سيكون لكنه يعلم بأنه تم احضاره لهدف وغاية كبرى، هكذا هو ميم نون بطل رواية الواجهة وهكذا هم المصطفين الأخيار من أبناء أدم.

مدينة مجهولة ومهمة معقدة وروح قلقة تواقة للمعرفة، ثائرة لا يؤرقها إلا بضع تساؤلات تدور حول ماهية الأشياء، تساؤلات من المفترض أن يأتى هو بإجابة عليها حتى يتم رحلته ويحقق الغرض من وجوده داخل المدينة.

طعام وكساء ومأوى مجاني لمدة عام، يذهب كل هذا فى لمح البصر عقابا لجريمة لم يقترفها.

الصدام الأول جاء مع حقيقة الموت، الموت جراء التفوه بالحقائق، وتساؤل يطرح نفسه هل تم تنفيذ حكم الإعدام فى تلك الفتاة التى استضاف اخوها ميم على العشاء لأنها نطقت بأول حروف صنعت مطرقة لتكسر بها جليد الوعي لدى ميم لمعرفة الحقيقة؟

 

******طاحونة تدور وسوط يلهب ظهر أشرف من بالمدينة

حارس الطاحونة وسوطه الذى لا يرحم وحجر الطاحونة الذى علقت به الدنيا وما فيها حتى لا يدور بسهولة ويسر، دماء تسيل ودموع تذرف وقوة تخور مقابل عشرون قرشا لا تكفي ثمن ربع رغيف جاف، شظف العيش مقدر على كل راغب فى المال الحلال، الشرف بوابة تقف حاجز بين شبع البطن والراحة بعد السقوط فى بئر الخطيئة وبين ان يبقى الواحد منا معلق فى حجر الطاحونة يدور ثم يدور ثد يدور ليلهب الحارس ظهره بالسوط فيما يضحك الجميع من حولك وربما تربح أخرون من ألمك ودمك الذى ينزف.

هكذا هو الرزق المقدر لك فلا تسأل مالك المدينة زيادته طالما كان مقدر لك لكن لك مطلق الحرية فى الحصول على المال من الجهة الخلفية للمدينة لتتساوى مع باقي أفراد القطيع.

هكذا هم أمثال ميم مشتتين خائري القوة، أرواحهم تنشد الخلاص لتحقق قدرها وأثقال الدنيا معلقة فى رقابهم تعوقهم وتحاول القضاء عليهم.

 

******* الجانب الخلفي للمدينة

في المدينة الطاهرة تعاقب من أجل كلمة قد لا تلقي لها بال، تصفع وتهان وينتقص من قدرك، تلقى بزنزانة حقيرة تشاركك فيها كل الهوام والأفاعي لأنك حاولت كسر القاعدة والنظام العام المقدس في المدينة، ليس لك أى حق هنا سوى الطاعة والدوران فى الطاحونة طوال الوقت أما هناك، على الجانب الأخر من المدينة فالأمر مختلف تمامًا، ستصفع وتهان إن لم تكن داعر فاسق ماجن، الجميع ينزع عنه رداء القداسة فى الجانب الخلفي للمدينة فهل تتحمل أنت يا ميم تلك القذارة؟

في هذا الجانب لا وجود للقديسين ولا الأطهار، ها هنا يشيدون التماثيل للقتلة واللصوص كما صنعوا تمثال للشاعر على الجانب الأخر، الجميع هنا يفعل ما يريد حسب ما يريد مادام فى الجانب الخلفي الملعون أما هناك فى الواجهة فجميع من بالمدينة بررة اطهار ينافسون الملائكة فى الطهارة والنقاء!!

لكل مدينة جانب خلفي تكتنفه الظلمة وتلوثه القذارة كما لكل روح وجه أخر لا يظهر إلا إذا تأكد بأنه قد وصل إلى الجانب الخلفي للمدينة.

 

****** القلق وقلة الراحة فى الزواج

لم يقصد الكاتب هنا الثورة على مفهوم الزواج بشكل عام وانما ثورته كانت على الزواج الأعمى، القائم على الرغبة الجنسية فقط، الزواج التقليدي، زواج الصالونات، مجرد فتاة تبتسم لك وأنت جاهل لا تعرف بأن هذا فخ قد نصب لك، تسعى خلف شهوة أو رفيقة تؤنس وحدتك ” تلبس” فى زوجة تتركك ملقى فى الشارع بعدما يأتى إشعار بتنفيذ حكم الإعدام فيك والأدهى من ذلك أن تقيم هى حفل فى نفس اليوم!!

أى زواج هذا وأى اقتران، اللافتة خادعة والتحذير كان واضح لكن الجهل والقدر اجتمعوا عليه ليظل معلق فى الطاحونة يدور ثم يدور ثم يدور والسوط يلهب ظهره. لن أقع فى هذا الفخ ولو قطعت رقبتي…

 

***** الموت حزناً وحقيقة الباحث عن الحقيقة

الجميع ينشد معرفة الحقيقة لكن أحد منهم لا يمد يداً لمساعدة الباحث عن الحقيقة، قليل من سيمد يد العون لكن الغالبية العظمى لن تقدم على شيء سوى التهليل والتصفيق فقط، لن يخالف أحد منهم القانون مادام الواحد منهم على هذا الجانب.

كل شىء صعب والجنون اصاب المدينة، كل ما فيها يحترق حتى الحقيقة التى ربما يجدها ميم داخل صفحات الكتب احترق بعضها والبعض الأخر فى انتظار الحرق.

الفقد لعنة مقدرة على كل شريف ذو نفس طاهرة والحزن سمته الظاهر طوال الوقت، يحزن لموت فتاة،. يتألم من أجل طفلة، يبكي من أجل شاعر، يحزن من أجل ولده ويموت حزناً لفراق ابنته وخيبة ظنه بعد فشله فى ايجاد الحقيقة التى من أجلها أتى.

لا تنتهى الحكاية بموت ميم، تدور العجلة وكما جاء ميم من العدم يأتى صاحب المدينة بباحث عن الحقيقة فى ذات اللحظة، دائرة لن تتوقف لعل سكان المدينة يصلوا اليها ذات يوم.

****** مالك المدينة والحقيقة

مالك المدينة لم يره أحد لكن الجميع يعلم بأنه هو من صنعهم وهو أيضاً من قدر عليهم الإعدام، صنع لهم مدينة طاهرة لم يرتكب فيها اثم وصنع لهم جانب خلفي وترك للجميع حرية اختيار الحياة هنا أو هناك حسب ما يرى كل واحد منهم.

مالك المدينة موجود لكن لم يره أحد، بعضهم على علاقة وثيقة به لكن حسب درجة لكل واحد منهم ليس بإمكانه أن يتخطاها، مالك المدينة هو من جاء بميم وأمره بالبحث عن الحقيقة، حقيقة وجود ميم، المدينة، حتمية تنفيذ حكم الإعدام، حقيقة الوجود وحقيقة وجود مالك المدينة.

العلم وحده هو الطريق للوصول إلى الحقيقة لكن هل بإمكان ميم ومن بعده تحمل ثقل ذراع الطاحونة والصبر على الجوع والوحدة والألم ليصلوا الى الحقيقة التى من أجلها أوجدهم مالك المدينة؟

 

** كلمة موجزة فى النهاية

أطلت الحديث ربما بعض الشيء لكن اجمالاً وباختصار شديد هذا العمل واحد من الاعمال العظيمة التى ستبقى عالقة بذهني لوقت طويل , ربما أراها تعادل فى براعتها الساعة الخامسة والعشرون لفرجيل جورجيو قسطنطين , لغة الرواية غاية فى الروعة , شخوص الرواية أبدع الكاتب في تجسيدهم حتى أنني تفاعلت مع كل منهم حسب ما كان يفعله داخل الرواية , ربما سمعت أصوات البعض وأحسست بدموع أخرين ودرت معهم أينما راحوا لكن تبقى الرحلة الاعظم مع ميم نون الذى تفاعلت معه بكل ذرات كيانى .

رحمة الله على الراحل يوسف عز الدين عيسى الذى خلف لنا تلك الدرة البديعة التى تصفحتها لأستمتع واتعلم ولأتعرف على رائد من رواد الأدب صاحب مدرسة أدبية لابد لى من التعرف عليها أكثر فى القريب العاجل.

سأكتفى بما كتبت وربما حاولت كتابة مراجعة أخرى بعد قراءة جديدة لهذا العمل العبقري الذى يستحق الوقوف معه طويلاً.

#مسافر_فى_دنيا_الأدب


مراجعة رواية أشياء تتداعى

  " رحلة برفقة أوكونوكو " رواية /  أشياء تتداعى  الكاتب / تشينوا اتشيبي  ترجمة / عبدالسلام إبراهيم  دار نشر / منشورات إيبيدي  عدد ...