السبت، 27 يونيو 2020

مراجعة رواية فساد الأمكنة

فساد الأمكنة
على صخور الدرهيب رحلة الأمل والألم , منه كانت البداية وعلى صخوره أتت النهاية .
بعد مطالعة رواية فساد الأمكنة لصبري موسى أدركت بأن من السهل جداً كتابة " رواية " لتُقرأ أما أن تكتب رواية لتبقى وتُخلد , رواية حية تتحول بها الجمادات والأماكن إلى أبطال تشارك الأشخاص فى سرد الأحداث وتجسيد المعاناة , الألم , الأمل , الإنكسار , العاطفة , النشوة , المأساة .
وكأنما أراد الكاتب أن يجعل الأماكن تحكى مأساة نيكولا, فعلى صخور الدرهيب يصلب نيكولا نفسه ليُكفر عن أخطاء لم يقترفها بينما الأثم الحقيقى لا يشغل باله بما فعل , هكذا هى الحياة .
الأمكنة ليست فاسدة بالطبيعة وإنما يفسدها ويدنسها البشر , نيكولا أتى إلى الدريهيب ينشد حلم ليقيم مدينته فى تلك البقعة المباركة فى نفسه ولكن يأبى بنو البشر إلا أن يلوثوها بخطاياهم وأوزارهم .
إن ما حدث فى الدرهيب لهو إغتيال لفطرة الإنسان قبل إغتيال فطرة المكان وفض بكارته فالجزاء من جنس العمل يانيكولا , فلسفة الإغتصاب تسرى على البشر كما سرت على الأمكنة , أتيت ياصديقى لتغتال براءة الدرهيب وفى صدرك قلب طفل فرح فإغتال الملك براءة طفلتك قبل أن يغتال الحلم والامل فى صدرك لتتحطم مدينتك على يديك كما تعتقد أنت , والحق أنك لا وزر عليك فيما فعلت .
الحق إننى رأيت الحياة كاملة فى صفحات الرواية , مشاهد عديدة توقفت معها ورحت أتفكر فيها وفى مقاصدها منها على سبيل المثال صلب نيكولا لنفسه على الصخور فى حالة اشبه بصلب المسيح ليتخلص من أوزار لم يرتكبها , مضاجعة عبدربه كريشاب لعروس البحر الميته فى حضرة الملك وحاشيته " من أبرع المشاهد " وكأنما أراد صبري موسى أن يخبرنا بأن البسطاء لابد لهم من مضاجعة الموت لينعم السادة ويستمتعوا بعذابهم وبألمهم الذى غالباً ما ينتهى بالجنون حقيقة من أكثر المشاهد التى توقفت معها , سرقة إيسا لقرص الذهب ثم مشهد موته فى البئر هو ومن معه وحزن نيكولا عليه , مشهد مضاجعة الملك لإليا وفض بكارتها والنيل من براءة تلك الفتاة الصغيرة ومقارنته بمضاجعة نيكولا للجبل وفض بكارته على يديه بمعاول عماله ومتفجراته , أيضاً مشهد النهاية المأساوي لا أنكر بأننى توقعت حالة نيكولا وكأنما قد عزم أمره على أن يصبح كالجد الأكبر كوكا لوانكا.
العاطفة فى الرواية ربما تكون متداخلة " وهى مقصودة هنا " فصداقة تتحول إلى زواج , و صداقة تتحول إلى تعاملات ومصالح , وصداقة تتحول إلى عاطفة بنوة تشوبها شائبة " حب مثلى " ربما أراد أن يذكرها صبري موسى على إستحياء فمر بها مرور الكرام لطبيعة المكان وطيبعة سكانه , وبنوة تتحول إلى صداقة تشوبها شهوة أيضاً مر بها الكاتب ببراعة وكأنما أراد بهذا الأسلوب أن ينكر وقوع نيكولا فى هذا الإثم أو ذاك وأن تلك المشاعر لاتعدو كونها حديث نفس أو رغبات طافت بعقله لبعض الوقت فخيل إليه أنها حقيقة وأنها أوزار لابد له من أن يتطهر منها على صخور الدرهيب .
لغة الرواية ساحرة وكأنما هى أبيات شعرية نظمها الكاتب لتكتمل المتعة , الرحلة فى هذا المكان ووصف ما به أحسست معها كأنما أحلق فى تلك البقعة لأشاهدها وأراها رأى العين .
فساد الأمكنة ربما كانت تجسيد للصراع ما بين البشر بعضهم البعض , ربما كانت لتجسيد الصراع ما بين الطبيعة بما تحويه من خير وبراءة ومابين الحضارة وما تحمله من " خير أو شر" على حسب ما فى أنفس ساكنيها أو زائريها .
أعلم أن كلماتى لن تعبر عما أود ذكره حول تلك الرواية وعنها ولكن ما ذكرته مجرد وصف لحالة مع عمل أدبى , إنتهيت من قراءة الرواية ولكنها ستبقى عالقة فى ذاكرتى لفترة طويلة دون الحاجة لمطالعتها من جديد إلا إذا كان لغرض الإستمتاع بهذا الإبداع وتلك الرحلة الرائعة فى الصحراء برفقة نيكولا إلى الدرهيب وماحوله من أمكنة .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مراجعة رواية أشياء تتداعى

  " رحلة برفقة أوكونوكو " رواية /  أشياء تتداعى  الكاتب / تشينوا اتشيبي  ترجمة / عبدالسلام إبراهيم  دار نشر / منشورات إيبيدي  عدد ...